أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
56
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
وكان لا بدّ للسيّد الصدر ( رحمة الله ) وهو يبحث في الاستقراء أن يقف عند نظريّة الاحتمال في جانبها الرياضي ، وهذا ما دفعه إلى التخصّص في مجال الرياضيّات بعد أن لم تكن دراسته المدرسيّة تخولّه ذلك لأنّه كان قد ترك المدرسة باكراً . ومن هنا فقد اتّفق مع بعض الأساتذة في بغداد على تدريسه الرياضيّات ، فدأب يقصد بغداد أيّام الخميس والجمعة وأيّام العطل لهذا الغرض . وبعد فترة قصيرة قالوا له : « الآن نعطيك بحسب لغتكم إجازة اجتهاد في الرياضيّات » . وفي الأيّام الأولى من بداية تأليفه الكتاب ، كان يجمع تلامذته ويلقي عليهم جملة من المسائل الفلسفيّة لمناقشتها معه « 1 » . وكان السيّد الصدر ( رحمة الله ) يعتمد في الأيّام الأولى على ما جاء في الفصل الثامن والعشرين من كتاب ( المنطق الوضعي ) للدكتور زكي نجيب محمود تحت عنوان ( الاحتمالات وحسابها ) « 2 » ، إلّا أنّ هذا المقدار لم يكن كافياً بالنسبة له . وقد أراد الاطّلاع على آراء عالم الاقتصاد جون مينار كينز من خلال كتابه ( مقالٌ في الاحتمال ) فرغب في أن يُترجم ، ولكن تبيّن له - من خلال الدكتور زكي نجيب محمود على ما يبدو - أنّ ترجمة كتاب ( كينز ) تكتنفها الصعوبات ، فتحوّل إلى ترجمة الفصل الخامس من كتاب ( المعرفة الإنسانيّة . . مداها وحدودها ) « 3 » لبرتراند رسل - وهو القسم الذي تناول فيه رسل نظريّة الاحتمال وتعرّض فيه إلى آراء كينز وغيره وطرح فيه رؤيته - وكان الدكتور زكي نجيب محمود هو الذي أشار عليه بذلك . ومن هنا ، فقد طلب السيّد الصدر ( رحمة الله ) من السيّد مرتضى الرضوي التفاوض مع الدكتور محمود من أجل تحصيل مترجمٍ موثوقٍ به لترجمة هذا القسم من كتاب برتراند رسل « 4 » .
--> ( 1 ) مقابلة مع الشيخ نجيب سويدان ( * ) . وذكر السيّد كمال الحيدري - نقلًا عن السيّد الصدر ( رحمه الله ) - أنّه على الرغم من عدم دراسته الرياضيّات في المدرسة ، إلّا أنّه كان يجلس في الليل و ( يشخبط ) ، فينتج مطلبٌ رياضيٌّ ، وهو ما أودعه في الأسس المنطقيّة للاستقراء [ انظر : الشريط 33 من شرح السيّد الحيدري على كتاب ( الحلقة الثانية ) ؛ وانظر : صحيفة المبلّغ الرسالي ، العدد ( 85 ) : 5 ] ، وأكاد لا أميل إلى هذا التصوير . ( 2 ) المنطق الوضعي : 510 - 534 ( 3 ) Human Knowledge , Its Scope Limits : 530 - 634 ؛ انظر الوثيقة رقم ( 60 ) ( 4 ) إلى هنا استنتجناه استنتاجاً من رسالة السيّد الصدر ( رحمه الله ) . وهنا يشار إلى أنّ السيّد كمال الحيدري ذكر أنّ السيّد الصدر ( رحمه الله ) بعد أن انتهى إلى نظريّته في المعرفة ، أراد التأكّد ما إذا كان فلاسفة الغرب قد توصّلوا إلى النتيجة نفسها . فسأل بعض الأخصائيّين في بغداد عن كتاب جامع يعرض النظريّات الغربيّة ، فأشاروا عليه بكتاب ( المعرفة الإنسانيّة ) لرسل . ولمّا طلبه قيل له إنّه غير مترجم ، فأوعز إلى بعض أساتذة بغداد بترجمته . وبعد أن قرأه وجد أنّ نظريّته غير موجودة عند الغربيّين ( اه - ) ، وهذا وإن كان أصلُ وقوعه صحيحاً ، لكن ضمن السياق الذي ذكرناه في المتن .